العلاج الطبيعي

بقلم باتريشيا ويندرز، استشارية علاج طبيعي

ماذا تتضمن التحديات التي يواجهها الرضّع ذوي متلازمة داون أثناء نمو قدراتهم الحركية الكبيرة؟

يتمنى الأطفال ذوي متلازمة داون فعلَ كل ما يفعله أقرانهم؛ فهم يتمنون الجلوس والزحف والمشي واستكشاف محيطهم والتفاعل مع الأشخاص المحيطين بهم. ولكي ينجحوا في هذا المسعى فهم يحتاجون إلى تطوير مهاراتهم الحركية الكبيرة. غير أن وجود صفات بدنية معينة لديهم تعيقهم عن تطوير المهارات الحركية الكبيرة بشكل مماثل لأقرانهم، بما فيها ضعف التوتر العضلي، والرخاوة في الأربطة والتي تسبب مرونة مفرطة في المفاصل، وتراجع القوة البدنية. ولهذا السبب، يقومون بطرق تعويضية، لكن بعض هذه التعويضات يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات صحية على المدى الطويل مثل ألم دائم في القدمين أو تطوير نمط مشي عشوائي غير فعال.

وبخلاف ما يتصوره الجميع، لا يسعى العلاج الطبيعي لهؤلاء الأطفال إلى تسريع وتيرة نموّهم، وإنما يهدف لتسهيل تطوير الأنماط المثالية للحركة عندهم. أي إن الهدف على المدى الطويل هو مساعدة الطفل على تطوير وضعية وقوف مناسبة، وتحقيق التوازن بين القدمين، واعتماد نمط مناسب للمشي، وإرساء الأسس الفيزيائية الملائمة للتمارين الرياضية في المستقبل.

ما هي محاور العمل الرئيسية في جلسة العلاج الطبيعي النموذجية؟

أولًا، يقوم أخصائي العلاج الطبيعي بمراقبة المهارات التي أتقنها الطفل لوحده، ثم يقوم بتحديد المهارات التي بإمكان الطفل تعلمها في المرحلة التالية؛ إذ لا بدمن تعليم الطفل المهارات التي يمكنه اكتسابها في غضون الشهر القادم بدلًا من التركيز على نواحي متطورة جدًا بالنسبة لقدراته في هذه المرحلة.
وبمجرد تحديد المهارات التي بإمكان الطفل تعلمها، يجري وضع خطة لتعليمه تلك المهارات. وقبل مرحلة التطبيق، يقوم المعالج بتقسيم المهارات إلى مكوناتها الرئيسية، ومن ثم يبدأ مرحلة التعليم عبر مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لمعرفة الطرق الأنجح مع الطفل. وتُبنى الاستراتيجيات على أساس أسلوب التعلم الخاص بالطفل.

أما آخر وأهمّ المحاور، فهي أن أخصائي العلاج الطبيعي يقوم بتعليم الأبوين كيفية القيام بالمهارات مع طفلهما؛ حيث يستطيعان ممارسة هذه المهارات عندما يشعر طفلهما بالراحة والقوة، إلى جانب المهارات التي يمكن إضافتها إلى روتينه اليومي. ولنتذكر هنا أن الممارسة والتكرار يدفعان الطفل إلى تطوير قوته وكفاءته، وبالمحصلة إلى إتقان المهارات.

كتبتِ أن الأطفال بطبيعتهم نوعان، إما "منطلقون" أو "مراقبون"، كيف يؤثر الطبع على العلاج الطبيعي؟

الطبع هو طريقة الفرد في التفكير والسلوك وردّ الفعل. وأنا عادةً أنظر إلى نمط التفكير والسلوك وردود الفعل لدى الطفل أثناء تعلمه المهارات الحركية الكبيرة. وقد لاحظتُ أن الأطفال ذوي متلازمة داون ينقسمون إلى فئتين أساسيتين على صعيد الطباع: "المنطلقون" و"المراقبون". يميل الأطفال المنطلقون إلى المجازفة؛ إذ إنهم يحبّون الحركة السريعة ويتقبلون الحركات والوضعيات الجديدة، ولا يطيقون المكوث في نفس المكان ويكرهون الهدوء. أما الأطفال المراقبون فهم أكثر حرصًا وحذرًا ويرغبون الإمساك بزمام الأمور، وهم يفضّلون الوضعيات الهادئة، ويشعرون بالرعب فورًا عند تعلم حركات جديدة. فعلى سبيل المثال، عندما يتعلم الأطفال المنطلقون المشي فإنهم يجازفون ليخطوا خطوات مستقلة، ولن يردعهم تكرار السقوط وهم يحاولون. أما الأطفال المراقبون فهم أكثر حذرًا ويجازفون في تجريب الخطوات المستقلة فقط عندما يتأكدون من أنهم متوازنون.

وفي هذا الإطار، يساعد تفهم طبع طفلكما والعوامل التي تحفزه في تعزيز قدرتكما على مساعدته في تعلم المهارات الحركية الكبيرة. إذ سوف تصبحان قادرين سَلفًا على معرفة الأنشطة التي يُحتمل أن يحبّها وتلك التي يُتوقع أن يرفضها، وبهذا تستطيعان بدء الأنشطة التي يحبها، ومن ثم الانطلاق نحو الأنشطة الأكثر صعوبة بمجرد شعوره بالطمأنينة وحماسه لتعلم المزيد.

ما النصائح العامّة التي يتعين على الأبوين أخذها في عين الاعتبار أثناء تدريب طفلهما على المهارات الحركية الكبيرة؟

يُعتبر تطوير المهارات الحركية الكبيرة أول مهمة تعليمية سيواجهها الطفل ذو متلازمة داون وأبواه معًا، وهي في ذات الوقت فرصة سانحة أمام الأبوين للشروع في فهم النمط التعليمي لطفلهما. وتمثّل النصائح التالية نقطة انطلاق فعّالة في محاولة اكتشاف النمط التعليمي لدى الطفل، لذا من الأفضل الالتزام بها:
  • حدّدا العوامل التي تحفز طفلكما؛ من المرّجح أنه سيبدأ بالحركة في حال وجود عوامل محفزة معيّنة؛ فقد يلجأ للحبو مثلًا للحصول على دميته المفضلة. أما عند ممارسة المهارات الحركية الكبيرة، فإن نجاحه واستمتاعه يعتمدان على كيفية اللعب، ونوعية الألعاب التي تستخدمانها والمكان الذي تضعانها فيه.
  • ضعا نفسيكما في مكان طفلكما وفكّرا بالطريقة التي يفكر بها طفلكما؛ حاولا استنتاج المهارات الحركية الكبيرة التي يفضل طفلكما القيام بها، وانطلقا منها. فإذا كان يحبّ مثلًا أن يجلس على بطنه، قوما بتعليمه الدوران والحبو والتسلق. وإذا كان يفضل الجلوس، علّماه كيف يجلس بمفرده. وخذوا بعين الاعتبار أن الأطفال غالبًا ما يتحفزون لتعلم المهارات بطرق متنوعة، والتركيز على المهارات التي يبدي استعدادًا ورغبة في تعلمها.
  • التحفيز والثناء هما أساس النجاح. لذا عليكما الشروع في تدريب طفلكما على المهارات التي أبدى استعدادًا لتعلمها كي ينجح في مسعاه. وعليكما تدريبه وهو في قمة نشاطة البدني حيث يمتلك الطاقة والتركيز والصبر اللازم لتعلم مهارات جديدة أو تعزيز مهارات تعلّمها للتوّ. وعليكما أيضًا أنْ تساعداه في اتخاذ الوضعية المناسبة لبدء التمرين، واختيار أفضل أشكال العوامل المحفزة. وأخيرًا، ينبغي أن تعرفا متى تتوقفان؛ إذ إن قضاء فترات زمنية محددة من التدريب المدروس الذي يثمر عن استيعاب طفلكما للمهارة الجديدة ونجاحه فيها هو أمر أفضل وأفيد بكثير من ساعة كاملة من المحاولات الفاشلة التي تؤثر عليكما سلبيا وتشعركما بالإحباط.
  • انتبها إلى الإشارات التي يصدرها طفلكما واقرآها جيدًا. انتبها إلى طريقة تجاوب طفلكما مع ممارسة المهارات الجديدة. وإذا شعرتما أنها صعبة، قوما بتبسيطها عبر تغيير طريقة أدائها أو تقديم المزيد من الدعم له. وينبغي هنا ألا توقفا التمارين ما دام الطفل في أحسن حالاته؛ فجودة الوقت الذي تقضياه مع طفلكما وهو يتدرب على المهارات الحركية الكبرى أهم من مجرّد قضاء فترات طويلة دون فائدة.
  • حوّلا التمرين إلى لعبة؛ عليكما أنْ تتعاملا مع التعليم والتمرين كما لو أنه لعبة. أولًا، عرّفا طفلكما على التمرين بوصفه "لعبة" ليحب الحركة ويستمتع بها. ثانيًا، ساعداه على الإلمام باللعبة وتفهم ما يجب أن يقوم به. ثالثًا، مارسوا اللعبة معًا وقلّلا من دعمكما له بالتدريج. رابعًا، واصلا التمرين حتى يتقنَه دون مساعدة. فالهدف النهائي هو أن يتقن طفلكما اللعبة ويصبح قادرًا على أدائها باستقلالية تامة.

 

إن الأطفال ذوي متلازمة داون لهم أسلوبٌ فريد في التعلم، وعلينا أن نتفهمه ونحترمه. وفي هذا السياق، نقتبس جملةً قالتها عالمة النفس جنيفر ويشارت، التي استفاضت في الكتابة عن هذا الموضوع: "قد تؤدي أساليبنا أحيانًا لتحويل متعلمين بطيئين ولكنهم راغبين بالتعلّم إلى أشخاصٍ يرفضون التعلّم ويتجنبونه قدر الإمكان". وأنا شخصيًا أصمّم التمارين بحسب حالة كل طفل على حدة، ولذلك أحرص على أن توفر جلسة العلاج الطبيعي بيئة تعليمية ممتعة للأطفال كي يرغبوا في التعلم. كما أشجع الآباء والأمهات على اتباع هذه الطريقة في المنزل، فإذا شعر الطفل أنه مجبرٌ لا مخيّر، سوف يجد السبل الكفيلة للمقاومة وعدم التعلم.